الدوحة في 9 فبراير 2026 نظمت اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني بدولة قطر، بالتعاون مع نظيرتها في المملكة المغربية الشقيقة وهيئة متاحف قطر، ندوة مشتركة حول حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، وذلك في إطار تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لحماية التراث الثقافي، وترسيخ قواعد القانون الدولي الإنساني ذات الصلة.
وشهدت الندوة، استعراض المسؤولية المشتركة في صون الممتلكات الثقافية، والدور الذي تضطلع به اللجان الوطنية للقانون الدولي الإنساني، والمؤسسات الحكومية، والمجتمع المدني، في إدماج قواعد حماية الممتلكات الثقافية ضمن السياسات الوطنية، بما يضمن حماية قانونية فعّالة ومستدامة خلال النزاعات المسلحة.
وحضر حفل افتتاح الندوة، سعادة السيد سعيد بن عبدالله السويدي، وكيل وزارة العدل، رئيس اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني بدولة قطر، وسعادة الدكتورة فريدة الخمليشي، رئيسة اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني في المملكة المغربية، وسعادة السيد محمد سعد الرميحي، الرئيس التنفيذي لمتاحف قطر، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين والمهتمين.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد سعادة السيد سعيد بن عبدالله السويدي، أن هذه الندوة تعد الأولى من نوعها، وتتناول موضوعا لا يمس الماضي فحسب، بل يشكل جوهر الحاضر ومسؤولية تجاه المستقبل، مشددا على أن الممتلكات الثقافية تمثل ركيزة أساسية للهوية الإنسانية والتنمية الوطنية، وشاهدًا حيًا على تفاعل الحضارات عبر العصور.
وأوضح سعادته، أن المواقع الأثرية، والمعالم التاريخية، ودور العبادة، والمتاحف، والمخطوطات، والتراث المادي وغير المادي، ليست مجرد مبان أو مقتنيات، بل تمثل ذاكرة الشعوب وجسرًا يربط الأجيال، وأن الاعتداء عليها يُعد خسارة للإنسانية جمعاء.


وأشار إلى أن الأديان السماوية، وفي مقدمتها الإسلام، أكدت على حفظ العمران وصون دور العبادة واحترام آثار السابقين، لافتا إلى الاستهداف الممنهج للممتلكات الثقافية في عدد من النزاعات الحديثة، سواء بدوافع الطمس الثقافي أو الانتقام أو الاتجار غير المشروع بالآثار.


وشدد سعادة وكيل وزارة العدل، على أن حماية الممتلكات الثقافية مسؤولية مشتركة تتقاسمها الدول والمؤسسات الثقافية والقوات المسلحة والجهات الأمنية والقطاع التعليمي والمجتمع المدني، مشددا على أهمية التشريعات الوطنية، والتدريب المتخصص، ونشر الوعي، وإدماج قواعد الحماية في العقيدة العسكرية.
وقال إن دولة قطر، تولي اهتماما بالغا بحماية الممتلكات الثقافية، وهو ما انعكس في انضمامها إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ودعمها المتواصل لجهود المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة اليونسكو، إلى جانب المبادرات الوطنية لحماية التراث في زمن السلم والنزاع، مبرزا أن اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني تعمل ضمن خطة عملها لعام 2026 على استكمال مسودة قانون حماية الممتلكات الثقافية.
ومن جانبه، أكد السيد محمد سعد الرميحي، الرئيس التنفيذي لمتاحف قطر، أن حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة لا تعد مجرد التزام قانوني تفرضه الاتفاقيات الدولية، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية مشتركة، تعكس إيمانا عميقا بأن التراث الثقافي يشكل ذاكرة الشعوب وركيزة هويتها، وجسرا للحوار والتفاهم بين الحضارات.
وبين الرميحي، أن استهداف المواقع الأثرية والمعالم التاريخية والمتاحف لا يطال الماضي فحسب، بل يهدد الحاضر ويقوّض حق الأجيال القادمة في معرفة تاريخها وفهم تنوعها الإنساني، منوها أن حماية التراث الثقافي تمثل حماية للهوية والذاكرة الجماعية للشعوب.


وأضاف أن متاحف قطر، تؤمن بأهمية العمل التكاملي بين المؤسسات الوطنية، واللجان المعنية بالقانون الدولي الإنساني، والمنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو، لترسيخ ثقافة حماية الممتلكات الثقافية، سواء في زمن السلم أو أثناء النزاعات المسلحة.

كما أردف أن هذه الشراكات تسهم في تحويل المبادئ إلى ممارسات مستدامة، وتعزيز الوعي المجتمعي، وتوظيف المعرفة والتقنيات الحديثة لضمان صون التراث الثقافي، بوصفه إرثا إنسانيا مشتركا واستثمارا في مستقبل أكثر سلاما وتفاهما بين الشعوب.


بدورها، أكدت الدكتورة فريدة الخمليشي، رئيسة اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني بالمملكة المغربية، الأهمية الكبرى التي يكتسيها التراث الثقافي بالنسبة للإنسانية جمعاء، مثمنة الشراكة القائمة بين اللجنة الوطنية المغربية للقانون الدولي الإنساني ونظيرتها بدولة قطر، والتي أسهمت في تسليط الضوء على مسألة حماية التراث الثقافي في زمن النزاعات المسلحة.
وأفادت الخمليشي، أن الندوة تمثل فرصة مهمة للتأكيد على أن التوعية بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة تندرج في صلب مهام التعريف بالقانون الدولي الإنساني ونشر ثقافته، فضلا عن تعزيز الوعي المجتمعي والمؤسسي بقواعد حماية التراث في أوقات النزاع.
كما أشادت في سياق متصل، بتقاسم التجربتين القطرية والمغربية الناجحتين في مجال حماية الممتلكات الثقافية وصون التراث، وتبادل الممارسات الفضلى في تطبيق اتفاقية لاهاي والبروتوكولين الملحقين بها، لافتة إلى أن المشاركة المغربية في الندوة تعكس عمق علاقات التعاون والشراكة التي تجمع اللجنتين الوطنيتين القطرية والمغربية، والتي أصبحت نموذجا يُحتذى به في مجال الشراكة بين اللجان الوطنية للقانون الدولي الإنساني
من ناحيته، أبرز السيد صلاح الدين زكي خالد، ممثل اليونسكو لدى دول الخليج واليمن ومدير مكتبها بالدوحة، الدور الكبير للمنظمة في دعم الدول المتضررة من النزاعات، مشيرا إلى أن اليونسكو وسعت في السنوات الأخيرة نطاق جهودها عبر عدة مبادرات، أهمها برنامج “التراث من أجل السلام”، لتعزيز الوقاية والاستجابة للطوارئ وحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات.
وأضاف زكي خالد، أن المنظمة عززت التعاون المدني العسكري، بما في ذلك إرسال بعثة خبراء إلى بيروت والتدريب المشترك مع منظمة الدرع الأزرق الدولية، بالإضافة إلى تطوير أدوات رقمية حديثة لتوثيق التراث وحمايته، بما يساعد السلطات الوطنية على تعزيز جاهزيتها وقدرتها على الاستجابة في ظروف صعبة، مع التركيز على الدول التي تواجه آثارا وخيمة مثل العراق واليمن وسوريا ولبنان وأفغانستان والدول الأفريقية.


تضمن برنامج الندوة، جلستين رئيسيتين، ترأست الجلسة الأولى، السيدة آلاء إسماعيل المصلح، مدير إدارة التعاون الدولي بوزارة العدل وخبيرة قانونية باللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، وناقشت دور اليونسكو والإطار القانوني لحماية الممتلكات الثقافية. فيما ترأس الجلسة الثانية، السيد خالد محمد الخميس العبيدلي، مدير مكتب سعادة وكيل وزارة العدل ومقرر اللجنة، واشتملت على دور القوات المسلحة وتجارب دولة قطر والمملكة المغربية في حماية الممتلكات الثقافية، قبل ختام الندوة بجلسة الأسئلة والتوصيات النهائية.

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *